هشام جعيط
56
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
أهمية الحاجز والحصن ، من هنا تجمّع الفرس وإسراع العرب الكبير للتحول إلى هذه النقطة . من هم هؤلاء الفرس الذين اعتصموا في جلولاء ، بقيادة مهران أو خرزاد ؟ كانوا عبارة عن النواة الأخيرة المتبقية من جيش القادسية التي سبق أن تخلت عنها فضائل فضلت الانسحاب إلى النجد الإيراني ، وروي أن أمدادا قادمة من حلوان وما والاها التحقت بها أيضا « 1 » . لقد أجلي الأهالي إلى خانقين ، بينما حط الملك رحاله بحلوان « 2 » التي كانت أول ممرّ جبلي بالجبال « 3 » ، وكانت تقع تماما على التراب الإيراني لا في العراق كما قيل ، ولذا يحدونا الشعور الجلي أن الفرس عمدوا إلى اختيار موقع جلولاء ليكون العراق مسرحا لآخر معاركهم من أجل العراق وكذلك لحماية بوّابة فارس : كانت جلولاء أهم من المدائن من حيث الأهمية الاستراتيجية . ولم يخطئ العرب في تقديرهم ولذا وجهوا هاشم بن عتبة نائب القائد العام برفقة 12000 فارس شكلوا نخبة المقاتلين ، ونحن نستشف هذا الأمر من رواية الأحداث بل إن الروايات تؤكد ذلك « 4 » . وخرج إلى القتال قادة من طراز جرير بن عبد اللّه البجلي والقعقاع بن عمرو ، وقد تولوا القيادات في حين أن زعماء الردة لم يقوموا إلا بالمساهمة في القتال . لقد ظهرت معركة جلولاء في نظر العرب بمظهر المعركة الجدية التي كانت محسومة سلفا ، نظرا للموقف العسكري العام ، وهو ما يفسر أن سعدا لم يخرج بأكثر الجيش من المدائن ، فوجه جيشا مهما لا كل الجيش . ولكن يمكن القول إن ثمة مجموعة شاركت في القتال بغية العمل من أجل كسب حقوق معنوية لاحقة ، لأن الحضور بجلولاء اعتبر مخولا للفيء بمعناه الضيق ( التمتع بالأراضي المغتصبة من أملاك التاج الفارسي ) ، ولأن الغنيمة المتكدسة كانت عظيمة . لا فائدة من الإلحاح على العملية العسكرية وتفاصيلها . لم تكن جلولاء محصنة أصلا : فوجب تحصين المعسكر وإحاطته بالوسائل المتاحة لكون الفرس سلكوا حتما مسلكا دفاعيا ، فلم يتمكنوا من الصمود طويلا ، وحاولوا الهجوم ، فكانت الهجمة الأخيرة هي التي شكلت معركة جلولاء بالذات . كانت معركة حامية إذا ما صدقنا سيفا الذي عاد إلى وصفه الملحمي جاعلا من جلولاء رجعا للقادسية إلى حد ما « 5 » : كان كايتاني محقا عندما أشار إلى
--> ( 1 ) فتوح البلدان ، ص 264 ؛ الأخبار الطوال ، ص 127 ؛ الطبري ، ج 4 ، ص 27 . ( 2 ) الأخبار الطوال ، ص 127 ، فتوح البلدان ، ص 264 . ( 3 ) على الطريق الكبرى لخراسان : اليعقوبي ، كتاب البلدان ، ص 270 ؛ ابن رسته ، الأعلاق النفيسة ، ص 164 ؛ . Le Strange , op . cit . , p . 63 . ( 4 ) الطبري ، ج 4 ، ص 24 و 26 : كان القعقاع يقود الطليعة ؛ البلاذري ، فتوح البلدان ، ص 264 . ( 5 ) الطبري ، ج 4 ، ص 26 - 27 .